منوعات

موسم الاستفتاء على الدراما الرمضانية: ظاهرة النقد الشفاهي وحق الجمهور المكتسب

طوال شهر رمضان الكريم انبرت الأقلام في تقييم المسلسلات والنجوم وأدلى كل بدلوه في المسألة النقدية للأعمال الفنية، المتخصص والمتذوق والمجرب وعابر السبيل، وخرجت النتيجة النهائية كالعادة ما بين ممتاز وجيد وضعيف.
وعلى الرغم من أن التناول لمعظم الأعمال كان سريعاً واعتمد على بعض العينات فقط، حيث لا يسمح الوقت بالمشاهدة الكاملة والدقيقة لهذا السيل الجارف من أشكال وأنواع وصنوف الدراما والبرامج، ومع ذلك كانت هناك اجتهادات ومحاولات للمشاهدة والتفاعل وإبداء الرأي ولم يمنع ضيق الوقت غالبية الناس من تحقيق المتعة البصرية للخروج من رتابة الحياة اليومية وإلهاء أنفسهم عما يشغلهم ويؤرقهم، وربما يكون هذا دافعاً رئيساً في تكثيف عملية المشاهدة ووصولها إلى أعلى المعدلات، فالجمهور لا يشغل نفسه كثيراً بتفاصيل المسلسلات ولا حواديتها ولا الصراعات الدائرة فيها وإنما يتعاطاها بوصفها مسكنات تتراوح جرعاتها حسب مواعيد العرض وتسمح بإراحة العقل وتفريغ الذهن لفترات طويلة يجدد خلالها المواطن نشاطه ومن ثم يتمكن من مواصلة حياته اليومية على نحو ما يرغب.
أتصور أن هذا هو جل العلاقة الحقيقية ما بين الأعمال الفنية والنسبة الأكبر من المشاهدين، ويمكن استنتاج الأدلة من الإقبال غير المسبوق على الأعمال والبرامج الكوميدية وهي نقطة الضعف التي رصدها المنتجون مبكراً فشرعوا في زيادة المعدلات الإنتاجية من هذه النوعية ولأن النتيجة الإيجابية شبة مضمونة فلم يهتم كثير منهم بالقيمة والمحتوى وبات الغالب هو الهزل إلا بعض الاستثناءات المحدودة جداً هي ما يتوافر فيها الحد الأدنى من القبول الموضوعي والفني، وحيث أن الموسم الرمضاني يمثل هدفاً استراتيجياً لدى المنتجين والمخرجين والنجوم نجد اهتماماً شديداً وحرصاً متناهياً على حجز مساحات إرسال في أكبر عدد من القنوات، والعكس بالعكس فالقنوات ذاتها تسعى جاهدة للتعاقد على الشراء وحق الاستغلال مع الجهات المنتجة، لأن الحصيلة الإعلانية المنتظرة ترتبط بالموسم نفسه، فالمنفعة متبادلة والضحية هو الجمهور المسكين الذي يتقبل ما يعرض عليه من الغث والسمين صاغراً فكل المراهنات والصفقات تتم باسمه وهو آخر من يعلم!
ولأن الشيء لزوم الشيء، فمن ساعات المشاهدة الطويلة والكميات العددية الباهظة للصالح والفاسد من الدراما التقليدية والنوعية نشأت عمليات النقد التلقائي من جميع الشرائح واستخدمت جميع الوسائط الصحافية للتعبير عن الرأي الجمعي لمن هم مستهدفون بالموجات الدرامية متعددة الأبعاد، ولا شك في أن هذا التطور التفاعلي بين الجمهور والمصنفات الفنية المختلفة يمثل استحقاقاً طبيعياً لأن الرسائل الدرامية والبرامجية والدعائية برمتها موجهه من وإلى الجمهور ولهذا فهو صاحب الحق بامتياز في نقد ما يراه وما يسمعه دون تحديد أية أطر وقواعد ونظريات لنقده ونشاطه العقلي والوجداني والإنساني فليس ضرورياً أن يكون مخضرماً في ما يكتبه أو ينقله أو يتفوه به، والنقل هنا مقصود به تبني وجهة النظر المتوافقة مع وجهة نظرة وتأييدها ودعمها والدفاع عنها.
أن يصل الجمهور، بعضه أو كله لمستوى الرفض أو القبول بقدرة عميقة أو بسيطة على التعبير فهذا حق مكتسب له ليس لنا أن نسفهه أو نقلل من شأنه لأن النقد بالأساس قائم على الاستقبال والملاحظة والاستنتاج وهي صفات وخصائص تتوافر في كل الطوائف من البشر بدرجات متفاوتة والأصل فيها هو الحس المرهف والنضج وحسن التقدير واللغة وليس الاحتراف والمهنية فالاحتراف والتخصص لهما مدارات ومقومات أخرى يطول شرحها.
ويعد دخول الجمهور طرفاً في العملية النقدية نوعا من رد الفعل فهو كما أسلفنا المستهدف الأول في المسألة الإبداعية ومن الطبيعي أن يصبح شريكاً فاعلاً ومؤثراً في الرأي ووجهة النظر، لا أن يتهم بالسطحية والسذاجة ويؤخذ كلامه باستخفاف ويقابل باستهجان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى