مركز عبدالله الحوراني فِكرةٌ لَمْ تمتْ

انس جهاد سعيد
منذ ولادتي عام 1995، وأنا مسجلاً في الوثائقِ الرسمية لاجئٍ، فلقد منحتني وكالة الغوث الدولية شيئاً من الحليب، والقليل من الدقيق، في المجمل وفرت لي كل ما أحتاجه من متطلباتٍ للعيشِ في بيئة أقل من متوسطة، كنتُ لاجئاً لا مشرداً.. كنتُ لاجئاً لا منكوباً.. وكنت لاجئاً ولم أشهد مجريات التهجير من قبل العصابات الصهيونية آنذاك؛ لكنني اليوم أنا المُشرد والمنكوب والمُهجر بعدما تم قصف مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية بصاروخٍ غادرٍ من طائرات غادرة لا تَعرفُ للإنسانية حدود، فَمن لعقلي بغذاءٍ بعد اليوم؟!.
إن العلاقة التي تربطني بمركز الحوراني ابنة الثلاث سنوات، فَمنذُ أن وُلدتْ في عقلي فكرة الكتابة عام 2016 كان ذلك المركز حاضناً لهذه الفكرة، كان الدفء.. كان الحضن الدافئ الذي ساعدَ هذه الفكرة لتنمو، وتصبحُ شيئاً على الأرض؛ كتاب.. كتابين.. ثلاث، سأكون مُحقاً إن قُلت أن مركز الحوراني يُشكل دفئيات منتجةُ للفكرِ.. الفكرُ الشاب على وجه التحديد، لا سيما لوحظَ في الآونة الأخيرة اندفاع الشباب نحو الكتابة والتأليف، فكانَ ذلك المركز المُرشد والمُعلم والمُدبر بقيادة الباحث والكاتب ناهض زقوت، لذلك كوفئ بهذه الجريمة النكراء التي تؤكد أن الثقافة مستهدفة لدينا قبل أي شيء آخر.
” إن مركز عبدالله الحوراني قضيةٌ؛ ليست قضية مركز تم قَصفهُ وانتهى، بل إن مركز الحوراني قضيةُ إشعال المشهد الثقافي والسياسي من جديد في وجهِ الاحتلال بمزيداً من التحدي والإصرار.”
يُقال قديماً إن أكبر إغراء يُثري الرغبة في قتالِ عدوٍ ما هو وجود السلاح في يد أحد الطرفين، نَحنُ لا نمتلك ذلك السلاح الذي يُهدد أمن إسرائيل، بل امتلكنا الثقافة، وليست أي ثقافة فحسب؛ بل امتلكنا الثقافة الراسخة المتجذرة التي اشتملت على كل أساليب مقاومة الاحتلال سياسياً في كافة المحافل الدولية.
بشيءٍ من المنطق؛ إن ثقافتنا لهيَ الإغراء الأكبر لإسرائيل، إنها الأب الشرعي لعقولنا الذي صارت عليه، وفلسطين لمْ تُنجب إلا مزيداً من الأجيالِ المُثقفة التي تَمتلكُ منهاج العِناد في كل أمر يَتعلقُ بقضيتها الفلسطينية، تلكَ هي العلاقة الوحيدة الأكثر شرعية التي تربطنا بإسرائيل، هي التي تُبهرها وهيَ ذاتها التي سَتقتلُ إسرائيل.
” إنَ العقلَ لَيحزنُ، ولا عزاء إلا للمشهدِ الثقافي والسياسي بغزةِ، ولا مواساة للكتاب والثقافة إلا من القيادةِ الفلسطينية ممثلة بالأب فخامة رئيس دولة فلسطين محمود عباس “أبو مازن” فهوَ يَعرفُ جيداً قيمة الكتاب سياسياً، كَيفَ لا وهوَ رفيقه.”
إن َ أكثر ما يؤلمني في قصف هذا المركز أنهُ احتضنَ لي أربع حفلات لِثلاث إصدارات قمتُ بإصدارها مؤخراً، حَيثُ أن عدد من تلكَ الإصدارات بات مَفقوداً تحت الركام، وَليس فحسب، بل إن المركز كان يضم مكتبة كبيرة تَحتضنُ على رفوفها ما يزيدُ عن 10.000 كتاب في شتى المجالات، وكلها حُرقت للأسف، والعديد من الوثائق التاريخية والسياسية.
” ولا بيت للصلحِ والمصالحة سِوى مركز عبدالله الحوراني للدراسات والتوثيق، ولا مائدة للمحبةِ سواه.”
كُنت حاضراً ومتابعاً لأغلب نشاطات مركز الحوراني، فالمتأملِ والمتابع لتلكَ النشاطات يَجدُ فيها الكثير والكثير من ملامحِ إرساء مبادئ الصلح فعلياً في ظل الانقسام الدائر في قطاع غزة منذُ عام 2006، فلقد جمعَ المركز بينَ أقطابٍ لمْ يكن مكتوب لها اللقيا، وبالرغم من ذلك التقت وجلست على طاولةٍ واحدة، وما كانت الابتسامات والمصافحات إلا مباركة لتلكَ اللقاءات الوحدوية بمباركةِ وبرعاية مركز عبد الله الحوراني، من جانبٍ آخر لقدَ احتضنَ مركز الحوراني عديداً من الندوات السياسية التي تناولت وتبنت تعزيز العلاقات مع الدول المجاورة والصديقة لفلسطين، على سبيل المثال لا الحصر مصر والجزائر.
أخيراً.. لقد شَعرنا بغيابٍ وبفراقٍ رَهيبين لا يُصدقا عندما قُصفَ مركز عبد الله الحوراني، هذا الفُراق ينمو يوماً بعد يوم بدلاً من أن يموت وَيذوب، بل يعزز فينا عطش الانتظار المعبق بالثقة العالية التي نلتمسها في قيادتنا الفلسطينية، في أن تنظر في إعادة تدشين هذا المركز بصورةٍ، ليس لشيءٍ إلا وفاء لقائدٍ وطني عرفناهُ باسم الشهيد عبدالله الحوراني، وإحياء للمشهدِ الثقافي والسياسي في بيئة قطاع غزة التي تَفتقرُ لمثلِ هذه المؤسسات.
أنس جهاد سعيد “بن سعيد”
عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين.
—————————–
رغم تدميره .. مركز الحوراني سيبقى بيت للمثقفين
الكاتب: عمر كمال اللوح
لقد تلقيت خبر تدمير مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق التابع للمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي كغيري من رواد ومحبين المركز بصدمة كبيرة خاصة أن المركز يعتبر بيت لكل كاتب ومثقف وباحث.
جريمة تدمير مركز الحوراني لم يكن بمحض الصدمة بل كان أمرا مخطط له من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتدمير الثقافة الفلسطينية وكل من يحاول النهوض بها.
ويشهد الجميع أن أبواب مركز عبد لله الحوراني كانت مفتوحة للجميع من خلال الاستفادة من العديد من أقسام المركز حيث يستطيع أي مؤسسة أو كاتب أن يحجز قاعة المركز لتنفيذ نشاط معين، وبإمكان أي مثقف أن يستفيد من إصدارات المركز والحصول على عدد من الكتب في مختلف المجالات، وبإمكان أي أحد أيضًا بأن يطلب من مدير عام المركز الاستاذ ناهض زقوت أن يوفر لهم مختصون لمراجعة عملهم الادبي والمساعدة في توفير الابحاث والمراجع العلمية للباحثين والعمل على المساهمة المالية في طباعة الأعمال الأدبية للكتاب وخاصة فئة الشباب بالإضافة الى إقامة حفل لتوقيع أعمالهم في قاعة المركز وكل ذلك بالمجان.
لقد سعى مركز الحوراني ممثلا بمديره العام الاستاذ ناهض زقوت أن يعمل على جمع كل مثقف في المركز والعمل على استقطاب أفكارهم الريادية والإبداعية وتطويرها ليكتشف شعراء وأدباء والباحثون جدد.
بل أستطيع القول أن مركز الحوراني أصبح عنوان الوحدة الوطنية من خلال عقد العديد من اللقاءات بين جميع الفصائل والقوى السياسية لتكوين رؤية واحدة بين جميع القوى الوطنية في مواجهة أي مخطط صهيوني أمريكي للتصفية القضية الفلسطينية.
لقد أراد الاحتلال أن يقول لنا جميعا أن مركز الحوراني أصبح يشكل خطر كبير على ما يسمى بدولة اسرائيل لأنه يعتني بدرجة أساسية بوحدة الشعب الفلسطيني وقواه ويسعى للنهوض بالفكر الواعد وهذا يشكل خطر كبير عليه أكثر من المدافع والصواريخ فكان يجب تدميره بما يحتوي من وثائق تاريخية تثبت حق الشعب الفلسطيني بأرضه من خلال وجود ألاف الكتب التي تتحدث عن القرى والمدن الفلسطينية المحتلة فكان القرار من أعلى المستويات السياسية في حكومة الاحتلال بتدميره.
ولكن ما لم يخطر ببال الاحتلال أنه دمر أكوام من الحجارة ولم يستطع أن يدمر الفكر والثقافة المتجذرة في عقول الكتاب والباحثين وحبهم الشديد لمركز عبد الله الحوراني ومديره العام الباحث والكاتب ناهض زقوت وأنه سيتم اعادة المبنى أفضل مما كان عليه.




