
بعد تدمير منازل سور باهر بالقدس.. وتفجير جماجم الأطفال.. يا اهل السلطة في رام الله كفوا عن تهديداتكم التي باتت اضحوكة.. اما ان تقولوا وتفعلوا او تصمتوا.. اوصلتم هيبة الشعب الى الحضيض.. وليتكم تتعلمون من “حزب الله” والحوثيين في اليمن.. والطالبان في أفغانستان والصواريخ “العبثية في غزة المقاومة
عبد الباري عطوان
اكثر ما يستفز الشعب الفلسطيني ويرفع ضغطه هذه الأيام ليس الإجراءات الإسرائيلية العنصرية فقط، وانما التصريحات والتهديدات التي تصدر عن السلطة الفلسطينية ورئيسها والمجموعة المحيطة به، وتتوعد إسرائيل بردود حاسمة صاعقة على هذه الإجراءات.
اليوم خرج علينا السيد نبيل ابو ردينة، المتحدث باسم الرئيس عباس، ملوحا بأن القيادة ستعقد خلال الأيام القليلة المقبلة سلسلة من الاجتماعات “المهمة” للرد على “عمليات الهدم للأحياء والمنازل الفلسطينية في قرية سور باهر في القدس المحتلة والخروقات المتواصلة في الأراضي الفلسطينية”.
وقال السيد ابو ردينة “ان القيادة الفلسطينية ستتخذ خلال هذه الاجتماعات قرارات مصيرية بشأن العلاقة مع إسرائيل والاتفاقات الموقعة معها”.
نسأل الرئيس عباس، وليس السيد ابو ردينة: كم مرة سمعنا هذا الكلام طوال السنوات الماضية؟ وكم مرة جرى استخدام العبارات والتهديدات نفسها والكلمات نفسها، وكم اجتماع عقدته “هذه القيادة” للمجلس الوطني، والمجلس المركزي، والمؤتمر العام لحركة “فتح” وللسلطتين التنفيذية والمركزية، وقالت انها ستنسحب من اتفاقات أوسلو، وستسحب الاعتراف بدولة إسرائيل، وستوقف التنسيق الأمني؟
هيبة السلطة، والشعب الفلسطيني باتت في الحضيض بسبب هذه “المهزلة” التي تهدد بهذه “السينات” الأربع او الخمس، دون ان تنفذ واحدة او نصف واحدة منها، بينما تتواصل اعمال القتل والتدمير والاستيطان الإسرائيلية ضد أهلنا في الأرض المحتلة وبشكل متصاعد، دون ان تحرك ساكنا، وكأنها لم ترث مقاومة كانت الأعظم في تاريخ المنطقة.
هدموا مئة منزلا في قرية سور باهر، وشردوا اكثر من 750 شخصا، قذفوا بهم الى الشارع، واطلق الجنود الإسرائيليون الرصاص على رأس الطفل الفلسطيني عبد الرحمن شتيوي من بلدة كفر قدوم، وهو يلعب بقطعة خشبية امام بيته، واخرج الأطباء اكثر من مائة شظية من هذا “الرأس” البريء، بفعل استخدام رصاص متفجر، وقبلها خنقوا طفلا فلسطينيا آخر حتى الموت لا يزيد عمره عن ست سنوات بحجة التظاهر، ومع ذلك يقول لنا السيد ابو ردينة “س” نعقد اجتماعات، و”س” نتخذ قرارات مصيرية بشأن العلاقة مع إسرائيل والاتفاقات الموقعة معها، وما هو شعوره وسيده وهو يعلم انها أكاذيب لن يصدقها احد؟
إسرائيل ابتعلت الضفة الغربية، وتخطط لضمها، وتحولت السلطة الى اضحوكة، وحكمها الذاتي الى “اكذوبة” و”مسخرة”، ومع ذلك هناك رئيس وزراء، ووزراء، ومتحدثون رسميون، وأعضاء برلمان، ومجلس وطني ومجلس مركزي، ومجلس ثوري.. الى آخر قائمة الالقاب الطويلة.
القيادات المحترمة تحترم كلمتها، واذا هددت نفذت، وتثبت انها على قدر المسؤولية، اما تلك التي تقول انها تمثل الشعب الفلسطيني، وتنطق بإسمه، لم تقل كلمة وتنفذها حتى تطاول علينا بغاث الطير، وباتت الوفود الإسرائيلية تتجول في العواصم العربية، وتستعد معظم الحكومات الخليجية، ان لم يكن كلها، لفتح سفارات في القدس المحتلة اعترافا بدولة إسرائيل العنصرية، وكل ما تفعله هذه السلطة، هو إضافة فقرة الى البيان الختامي لقمة مكة تطالب بتطبيق مبادرة السلام العربية، يا له من موقف بطولي.
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية هدد بالرد على أي عدوان امريكي على بلاده يتمثل في الحصار الاقتصادي، وتخصيب اليورانيوم، فقام الحرس الثوري بإسقاط طائرة مسيرة أمريكية، واحتجز ناقلة نفط بريطانية، وتسارعت عمليات تخصيب اليورانيوم فوق المعدلات المتفق عليها، ولم يركعوا للدولة الأعظم في التاريخ، وقرروا التصدي للاستكبار الأمريكي مهما كان الثمن.
قد يقول احد المتحذلقين ان ايران دولة كبرى، وتملك أسلحة وصواريخ فماذا تملك السلطة الفلسطينية لتواجه إسرائيل وترسانتها؟
هذا هروب وجدل تبريري غير مقبول، فماذا كانت تملك حركة “انصار الله” الحوثية اليمنية وحلفاؤها عندما صمدت خمس سنوات، ودمرت اسطورة صواريخ “الباتريوت”، وشلت الملاحة الجوية في مطارات مدن الجنوب السعودي، واجبرت دولة الامارات العربية المتحدة على مراجعة سياساتها وبدء الانسحاب من اليمن؟ وماذا كانت تملك حركة “فتح” وباقي فصائل المقاومة، عندما اطلقت الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية؟
بعد ان انهارت رهانات الرئيس عباس وحوارييه على السلام والمفاوضات، اليس هذا مبررا للاقتداء بالصواريخ “العبثية” لحركات المقاومة الإسلامية في قطاع غزة التي شكلت منظومة ردع غير مسبوقة، وجعلت نتنياهو يرتعد خوفا، ولا يجرؤ على اطلاق قذيفة واحدة على قطاع غزة خوفا من هذه الصواريخ؟ وحرصا على استمرار عمل مطار بن غوريون في تل ابيب؟
الم يولد “حزب الله” وكل فصائل المقاومة اللبنانية في الحضن الفلسطيني، ويحرر كل الأراضي اللبنانية المحتلة، ويجبر ايهود باراك على الانسحاب من الجنوب عام 2000، ويعتزل ايهود أولمرت السياسة بعد هزيمته وجيشه المهينة في حرب عام 2006؟
رفض عوائد الضرائب المستحقة للسلطة منقوصة، ووقف الاتصالات مع الامريكان، ومقاطعة صفقة القرن، كلها مواقف مقدرة، ولكنها تظل محدودة، اذا لم تكن في اطار استراتيجية مقاومة واضحة المعالم، تتصدى فعليا للاحتلال، وتنهي التنسيق الأمني، اكبر خطيئة في التاريخ الفلسطيني.
نرجوكم كونوا رجالا، وعلى قدر ومستوى تضحيات الشعب الفلسطيني ودماء شهدائه ونضال اسراه، وتاريخه العظيم في المقاومة، وتوقفوا عن هذه التهديدات الجوفاء الكاذبة، واصمتوا اذا كنتم لا تستطيعون تنفيذها، واستمروا بالتنعم بألقابكم ورتبكم في فقاعة الكذب والخداع التي اسمها السلطة الفلسطينية وعاصمتها رام الله.
من يريد ان يمثل الشعب الفلسطيني وينطق بإسمه عليه ان يكون القدوة والمثل والنموذج، وان يقول ويفعل، او حتى يفعل دون ان يهدد، فهذا الحد الأدنى من واجباته تجاه شعبه، وامته، وعقيدته، وقضيته، او يحل السلطة ويرحل معترفا بالفشل وعدم قدرته على تحمل المسؤولية.





