#أسباب_التحول_في_إسرائيل #عمر_حلمي_الغول

#نبض_الحياة
#أسباب_التحول_في_إسرائيل
#عمر_حلمي_الغول
المجتمعات البشرية عامة تعيش بشكل دائم في حراك مستمر ومتواصل، والإنتقال من مرحلة لمرحلة أخرى إرتباطا بالعمليات السياسية والإجتماعية، ووفق سمات وخصائص كل مجتمع. ووفقا لذلك تشهد في مراحل تطورها تحولات كمية وكيفية ما بين مرحلة وأخرى. ولا يوجد مجتمع ساكن، فالتحولات الإجتماعية والإقتصادية والفكرية السياسية القانونية والثقافية والدينية تجري على قدم وساق في كل المجتمعات البشرية بغض عن النظر عن حجم تطورها، وتلك التحولات مرهونة اساسا بالعامل الذاتي، ودعم العامل الموضوعي وتأثيره بهذا القدر أو ذاك على الواقع المعطي.
ورغم أن المجتمع الإسرائيلي، مجتمع مركب، وغير طبيعي في نشوئه وتطوره، غير أن العقود السبع الماضية أَصلت لوجود طبقات وفئات وشرائح إجتماعية، بالإضافة للمركبات الإثنية القائمة فيه، وشهد هذا المجتمع الإستعماري تطورات وتحولات إجتماعية وإقتصادية وسياسية وقانونية ودينية، وكنت مررت عليها في مقالتي السابقة بعنوان “إسرائيل ونتنياهو والحكم”، ولكن لهذة القفزة النوعية أسباباً وعوامل ذاتية وموضوعية، ولم تأت من فراغ، أو فجأة، ومنها الآتي:
اولا الخلفية الفكرية السياسية والإقتصادية للمشروع الصهيوني الإحلالي الإجلائي، حيث قام على ركائز أساسية، منها: شعارات الحركة الصهيونية الناظمة للمشروع الإستعماري “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض” و “أرض الميعاد” و”ارضك ياإسرائيل من النيل إلى الفرات” وعدم تحديد حدود دولة إسرائيل كدولة، وإبقائها مفتوحة، وإعتماد مقولات قادة إسرائيل جميعا من بن غوريون إلى نتنياهو، القائلة “حدود إسرائيل يحددها الجيش بمعاركه وحروبه ضد الفلسطينيين والعرب، وأينما يطأ بسطار الجندي الإسرائيلي تكون حدود إسرائيل الإستعمارية”.
ثانيا إعتماد القيادات الإسرائيلية على سياسة التدرج، ودحرجة المشروع الصهيوني خطوة خطوة نحو أهدافه الإستراتيجية. وبالتالي القبول بقرار التقسيم الدولي 181، ثم الإنقضاض عليه مباشرة والسيطرة على 78% من أرض فلسطين التاريخية كان الخطوة الأولى. ولم تكن مداهنة الدول العربية والرأي العام الدولي ب”الرغبة بالسلام” سوى مناورة تكتيكية لبلوغ اللحظة السياسية المناسبة للتوسع في أعقاب كل حرب من الحروب، التي خاضها جيش الإستعمار الإسرائيلي؛
ثالثا عدم التقيد بالقرارات والمواثيق والأعراف الدولية، والإلتفاف عليها عبر ذات التكتيك والمناورة السياسية، والعمل بسياسة القضم التدريجي للأرض الفلسطينية العربية؛
رابعا رغم وجود تباين نسبي بين مركبات سياسات ورؤى الأحزاب الإسرائيلية الحاكمة، لكنها جميعها متفقة على بلوغ أهداف المشروع الصهيوني. فحزب العمل الذي قاد دولة إسرائيل من 1948 حتى 1977، لم يختلف في الجوهر عن حزب الليكود، وكلاهما تكاملا في عملية التوسع الإستيطاني الإستعماري، مع ان حزب العمل لبس الثوب “الإشتراكي”، وإعتمد على بناء الكيبوتسات (الكومانات الإشتراكية) في تنفيذ سياسته، وبذلك مارس سياسة التضليل للعديد من دول العالم، وخاصة الإتحاد السوفييتي ودول المنظومة الإشتراكية. لكنه كان يمضي قدما نحو بلوغ الأهداف الإستراتيجية؛ خامسا بعد تولي حزب الليكود دفة القيادة في 1977 حصل تطور نوعي في الإقتصاد الإسرائيلي، حيث نفض يده من شكل الكيبوتسات، وولج سياسة إقتصاد السوق والخصخصة، وتم التزواج ما بين اليمين المتطرف والحريديم، وهذا احدث تحولات إجتماعية وإقتصادية وثقافية ودينية، وأجرى تغييرا جذريا في كل مركبات الدولة الإسرائيلية الإستعمارية، وباتت السياسة الإسرائيلية أكثر وضوحا وجلاءا في تماهيها مع روح وأهداف المشروع الصهيوني. والجميع يتذكر، أن دخول حكومة شامير في تشرين الأول/ إكتوبر 1991 لمؤتمر مدريد للسلام، كان دخولا إجباريا تحت ضغط إدارة بوش الأب آنذاك، لإنه (الليكود) لم يكن يوما مستعدا للشراكة في اية عملية سلام. غير انه شاء بقيادة مناحيم بيغن تحييد الدول العربية وعزلها عن الشعب والقيادة الفلسطينية، عندما وافق على توقيع إتفاقية كامب ديفيد الأولى مع السادات 1978 و1979، لم يكن رغبة منه ببناء جسور السلام. وهذا ما أكده نتنياهو عندما تولى رئاسة أول حكومة له عام 1996، عندما قال، انه سيعمل على تصفية ودفن إتفاقيات أوسلو، وهذا ما فعله، وحصل التطور العاصف خلال تولي بيبي الحكومات الثلاث من 2009 حتى الآن 2019؛ سادسا منذ الخطوة الأولى لنشوء الحركة الصهيونية وتطور مشروعها الكولونيالي في فلسطين، كان الغرب الإستعماري سندا قويا لتطور وتحول المشروع الإستعماري، ولم يكن ممكنا التوسع الإسرائيلي إلآ بفضل دعم وإسناد الغرب الإستعماري، وأساسا كان وجود إسرائيل في فلسطين والوطن العربي فكرة الإستعمار الغربي وبشكل أدق مؤتمر كامبل نبرمان 1905/ 1907، ثم إتفاقية سايكس بيكو 1916، وتلاها وعد بلفور المشؤوم 1917، وصولا إلى إدارة ترامب الأميركية الحالية، التي أخذت تخوض الحرب مباشرة مع إسرائيل الإستعمارية لتصفية القضية الفلسطينية، وفتحت الأبواب على مصاريعها أمام نتنياهو وإئتلافه اليميني المتطرف لتشريع عملية السيطرة الكلية على فلسطين التاريخية، وسن قانون “القومية الأساس للدولة اليهودية” في تموز / يوليو 2018، الذي اماط اللثام كليا عن خيار إسرائيل الإستعماري، والتقدم بخطى حثيثة لبناء “دولة إسرائيل الكاملة” على أرض فلسطين التاريخية؛ سابعا تراجع وإنكفاء العامل العربي الرسمي بشكل خطير، ساهم مساهمة مباشرة في وصول إسرائيل والصراع معها إلى ما نعيشه الأن 2019.
حيث لم يكن ممكنا لإسرائيل، ولا للولايات المتحدة الأميركية اللجوء إلى ملاحقة ومطاردة القضية والمشروع الوطني الفلسطيني لو كان هناك موقف عربي مغاير لما هو موجود حاليا.
هذة هي الأسباب الذاتية والموضوعية للتحولات النوعية في المجتمع والدولة الإسرائيلية الإستعمارية. ولم أتوقف امام غياب ما يطلق عليه “اليسار” أو الوسط الإسرائيلي، لإنه كان، هو صاحب الباع الطويل في بناء ركائز المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية. مع ذلك هذا لا يسقط حق العمل في وسط المجتمع الإسرائيلي لإحداث أية تحولات ممكنة، لا سيما وان التحولات النوعية زمن الليكود أضرت بالطبقات والشرائح والفئات الإجتماعية، كما انه عمق النزعات العنصرية العميقة بين مكونات وإثنايات المجتمع الإسرائيلي، وآخرها العنصرية المكشوفة ضد يهود الفالاشا الإثيوبيين نهاية الشهر الماضي ومطلع الشهر الحالي.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com
——
#نبض_الحياة
#إسرائيل_ونتنياهو_والحكم
#عمر_حلمي_الغول
تمكن بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة تسيير الأعمال من تسجيل الرقم الأول والأعلى في قيادة إسرائيل، حيث تجاوز زمنيا قبل ثلاثة ايام من الآن (23/7/2019) رئيس حكومة إسرائيل الأول، ديفيد بن غوريون، وبات دون منازع الحاكم الأطول حكما لدولة الإستعمار الإسرائيلية، وهو رئيس الوزراء الأكثر جلوسا على كرسي رئيس الوزارة بفترة متواصلة من 2009 حتى الآن 2019. وبالتالي يعتبر بيبي الملك الإسرائيلي الجديد دون منازع، ورغم كل فساده، وغروره وغطرسته، وعنصريته وكذبه، فإنه طبع الدولة الإسرائيلية بشخصه، وأفقد القيادات الإسرائيلية جميعا (خصومه) من داخل الليكود ومن خارجه الكاريزما القيادية، حتى لم يعد الشارع الإسرائيلي يرى بديلا عنه في المجتمع الإستعماري برمته، وأمسى نموذج النتنياهوية، هو الأهم، والأكثر تعبيرا عن الشارع الإسرائيلي عموما واليميني خصوصا، وتفوق على بن غوريون.
ويمكن لي من خلال المتابعة المتواصلة لتجربة الإستعماري الليكودي تدوين التحولات الجذرية، التي أحدثها، وطفر بها نتنياهو داخل الحزب والحكومة والجيش والقضاء والثقافة والحريديم والكنيست والمجتمع بشكل عام، ومنها : أولا أفقد حزب الليكود طابعه العلماني من خلال فتح ابوابه امام المتشددين من الحريديم، فبات خليطا غير محدد المعالم؛ ثانيا قلص إلى حد بعيد مساحة الحرية والديمقراطية الداخلية في الحزب، وصبغ الحزب بالديكتاتورية؛ ثالثا أسقط الحزب والساحة الحزبية عموما في إسرائيل في دوامة اللغة الشعبوية والحريدية؛ رابعا حارب خصومه ومنافسيه بطريقة مبتذلة وساقطة حتى بات الإنتماء ل”ليسار” تهمة، واصبحت في إسرائيل فوبيا الإقتراب من اليسار، مع ان إسرائيل بالمعايير العلمية لا يوجد بها يسار سوى الحزب الشيوعي؛ خامسا تماهية مع كرسي الحكم، ونرجسيته، وغطرسته جعلته يقاتل دون رحمة من أجل البقاء على رأس السلطة التنفيذية، ولم يستسلم للقضاء، ولم تهن عزيمته، رغم قضايا الفساد المثبتة عليه، وأصر على التربع على عرش إسرائيل الإستعمارية متحديا القانون.
وفي مؤسسة الجيش تمكن رئيس الوزراء الأطول حكما في إسرائيل من الآتي: اولا تفريغ الجيش من ملامحه الأساسية الجامعة بين الكل الإستعماري الإسرائيلي؛ ثانيا فتح الباب واسعا أمام الحريديم والمتدينيين عموما، حتى بلغت نسبتهم داخل القوات العسكرية والصفوف القيادية حوالي ال37%، والنسبة في إرتفاع مستمر؛ ثالثا صبغ الجيش أكثر فأكثر بالروح اللاهوتية، وغيب المعايير التقليدية للجيش السابق على توليه رئاسة الحكومة؛ رابعا نجح مع اقرانه وحلفائه من المتدينيين في تكريس النزعة الدينية داخل مؤسسات الجيش، وثبت المقولات والفتاوي الدينية الناظمة لعمل الألوية والكتائب في الجيش، وعزز دور الحاخامات المتطرفة، وأخذ في تعميم وإشاعة الحروب القادمة.
وعلى مستوى القضاء حصل تطور نوعي ايضا لجهة أولا حرف بوصلة القضاء كليا من قضاء مقبول نسبيا، إلى قضاء يميني متطرف؛ ثانيا غير القوانين والعلاقات التبادلية بين مكونات القضاء؛ ثالثا عزز مواقع المستوطنين في مكونات محكمة العدل العليا، وباتوا الأغلبية رابعا من ليس مع توجهه وخياراته السياسية وخيارات وزيرة العدل السابقة شاكيد من القضاة تم عزله؛ خامسا عمقوا جميعهم الطابع العنصري ضد الفلسطينيين واليهود الشرقيين وخاصة الفالاشا.
وعلى صعيد الثقافة قامت ريغف، وزيرة الثقافة بفضل دعمه، من أولا عنصرة الثقافة، والباسها الثوب اليميني واليميني المتطرف؛ محاربة حرية الرأي والرأي الآخر والتعبير الثقافي؛ ثالثا لاحقت المؤسسات الثقافية الليبرالية في طول وعرض البلاد؛ رابعا لاحقت المؤسسات الثقافية والفنية والأدبية الفلسطينية العربية؛ خامسا حاربت اللغة والثقافة العربية بكل الأساليب القذرة والعنصرية؛ سادسا طاردت المثقفين والأدباء والفنانين الليبرالين والفلسطينيين على حد سواء، وحرمتهم من الموازنات المرصودة لهم من قبل وزارة المعارف؛ سادسا الغت العديد من الجوائز للمؤسسات والمبدعين الليبرالين والفلسطينيين.
وبالتالي أمست الثقافة ذات طابع عنصري أصفر ومريض، ولا تمت بصلة للثقافة الإنسانية، والغت كل مظاهر التسامح.
أما مؤسسة الكنيست التشريعية، فاولا لم تعد الكنيست هي ذات الكنيست قبل الدورة السابعة عشر، فجرى قلب التشريع بشكل فاجر ومخيف؛ ثانيا أمست الغالبية المقررة في عملية التشريع، هي القوى اليمينية واليمينية المتطرفة والحريديم، وغيبت صوت القوى الليبرالية ثالثا صادقت الكنيست في دوراتها ال18 و19 و20 على أكثر القوانين عنصرية ورجعية وعداءا للسلام؛ رابعا اصلت الكنيست لبلوغ إسرائيل لهدفها الإستعماري في مرحلته الإستراتيجية الثانية وبناء الدولة الإسرائيلية الكاملة على كل فلسطين التاريخية، وهذا ما شرعه قانون ” أساس الدولة القومية اليهودية” الصادر في تموز/ يوليو 2018؛ خامسا مارس اليمينيون المتطرفون ابشع اشكال التمييز والملاحقة لكل نائب ليبرالي وقبل ذلك النواب الفلسطينيين العرب، ومازالت الكنيست وقواها وكتلها المتطرفة تلاحق كل صوت ينادي بالعدالة النسبية تحت مظلتها.
وعليه تكون الحكومات الأربع، التي تولى رئاستها نتنياهو عنصرية ورجعية ومعادية للسلام، ونقضت كل الإتفاقات المبرمة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتخلت عن الحد الأدنى الممكن لبناء وصناعة السلام، والتي تمثلت اخيراً في هدم العمارات السكنية في واد الحمص بقرية صور باهر المقدسية أول امس الإثنين الموافق 22/7/2019؛ وباتت جرائم الحكومات التي قادها نتنياهو تتم في وضح النهار، ودون اية خشية من القانون الدولي، وبعيدة عن ادنى القيم الإنسانية والمواثيق والمعاهدات الدولية.
وبالمحصلة الإجمالية حدث إنزياح كبير في خارطة المجتمع الإسرائيلي، وبات أكثر يمينية، وتطرفا وعنصرية وعداءا للسلام. وتمثلت العنصرية في رفض العديد من المدن والكيبوتسات السماح للفلسطينيين العرب بالسكن معهم، وكذلك رفضوا سكن اتباع الأثنية الأثيوبية (الفالاشا) معهم، وعزلوهم في أحياء خاصة، وحتى التبرع بالدم من قبل يهود الفالاشا تم القائه في حاويات النفايات، لم يعد المجتمع الإسرائيلي قابلا القسمة على كل مكوناته، حيث يشهد إنقساما حادا إجتماعيا وإثنيا ودينيا وحزبيا وثقافيا وقانونيا، مجتمع يغرق حتى أذنيه في مستنقع التناقضات الإجتماعية والعنصرية. أضف إلى ان الدولة ألإسرائيلية تشهد عزلة دولية، ولكنها في نفس الوقت تشهد تمددا في اوساط النظام الرسمي العربي، وهي مفارقة غريبة وبائسة، وتكشف حجم البؤس واللعنة التي تطارد الشعب العربي الفلسطيني من أشقائه. لكن ذلك لا يساعد المجتمع والدولة الإسرائيلية على تجاوز لعناتها وبؤس مصيرها الآتي.
نتنياهو له فضل على الشعب العربي الفلسطيني، انه كشف الوجه الحقيقي لدولة الإستعمار الإسرائيلية المجرمة، كما هي ودون رتوش او مساحيق، وأماط اللثام عن وجهها الرافض للسلام، الدولة اللقيطة والعنصرية، والمعادية لثقافة التسامح والتعايش والحرية، والمؤججة لعوامل الفتنة والإرهاب والحروب في المنطقة والعالم. وهو ما يملي على محبي السلام والشعب الفلسطيني إعادة نظر في اليات التعامل مع الدولة الإسرائيلية الإستعمارية، وإشتقاق اليات عمل جديدة ونوعية لصناعة السلام العادل والممكن والمقبول.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com




