مقالات

خطوة عملية أفضل من دزينة خطابات

بقلم : طلال عوكل

الخطاب الذي ألقاه الرئيس محمود عباس، أمام مجلس الأمن الدولي، في العشرين من فبراير الجاري، لا يترك مجالاً كبيرًا لأصحاب السياسات والمواقف العدمية من الفلسطينيين لأن يوجهوا انتقادات مبررة ومفهومة وذات أثر على الرأي العام الفلسطيني. مع ذلك تعرض الخطاب لانتقادات متطرفة، لا تأخذ بعين الاعتبار المقام والأطراف التي يتوجه إليها الخطاب والأهداف التي يسعى لتحقيقها، الأمر الذي يشير إلى مدى عمق حالة الاستقطاب السياسي. لو افترضنا أن المعارضة الفلسطينية اختارت شخصية من بين قياداتها للوقوف في المكان الذي وقف فيه الرئيس محمود عباس، فهل كانت ستقدم خطابا مختلفا يعلن عن أن الفلسطينيين قد قرروا الانتقال إلى مرحلة الصراع المفتوح، على كل الأرض وكل الحقوق الفلسطينية وهو عمليًا جوهر وحقيقة الأوضاع؟

لا شك بأن الخطاب ينطوي على ثغرات، ولكنها لا تشوش على الاتجاه العام الإيجابي للخطاب الذي تضمن تحديا لسياسة الحلف الأمريكي الإسرائيلي وتجديد الالتزام بثوابت السياسة الفلسطينية. أكمل الرئيس عباس خطاب التحدي، حين خرج من القاعة تعبيرا عن احتجاجه ورفضه الاستماع لكلمات المندوبين الإسرائيلي داني دنون والأمريكي نيكي هايلي.

الخطاب لم يكن موجها للداخل الفلسطيني أساسا، وإنما للمجتمع الدولي، الذي من بين أعضائه الفاعلين دول ساهمت في تحقيق المشروع الصهيوني، وما تزال تلتزم بأمن إسرائيل وتفوقها. يعرف الرئيس عباس وكل من يتابع الشؤون السياسية، بأن الولايات المتحدة لا تفكر في التراجع عن سياساتها ومواقفها، ولا تملك رؤية حقيقة لتحقيق سلام، وان كل ما لديها يشير إلى سعيها لتصفية القضية الفلسطينية تحت عنوان صفقة القرن. الولايات المتحدة لم تتأخر في ردها على خطاب الرئيس الذي لقي استحسانا من أعضاء مجلس الأمن الدولي باستثنائها وإسرائيل، إذ رفعت مستوى التحدي والوقاحة فأعلنت أنها بصدد نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، في الرابع عشر من مايو هذا العام. اختيار توقيت نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في اليوم الذي أعلنت فيه الحركة الصهيونية قيام دولة إسرائيل ينطوي على تجديد تبني الولايات المتحدة للمشروع الصهيوني، ورفض للرواية التاريخية التي تضمنها خطاب الرئيس عباس. غير أن هذا القرار من قبل الإدارة الأمريكية، يضع حدا لكل من يراهن على إمكانية تعديل مسار العملية السلمية، وتوسيع دائرة المشاركة في آليات رعايتها، فضلا عن أنه يضع حدًا للمناورات السياسية الأمريكية، التي استهدفت مؤخرا استدراج الفلسطينيين للعودة عن قرار مقاطعة الدور الأمريكي.

الفلسطينيون بعد القرار الأمريكي، أمام الحقائق المرة، إذ لم تعد ثمة إمكانية لاستمرار المراهنة على تعديل مسار العملية السلمية، أو العثور على بدائل لآليات رعايتها، كما لم تعد ثمة إمكانية للتمسك بخوض الصراع على أساس المشروع الوطني المعروف بحق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 67 وعاصمتها القدس. لن يتبقى من خطاب الأمس سوى العمل مع المجتمع الدولي لعزل السياسات الأمريكية الإسرائيلية، بالرغم من أن هذا الهدف لا يرقى إلى مستوى تعطيل المشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي سيتم فرضه بالقوة على المنطقة، خصوصا في ظل طريقة التفكير والعمل السارية فلسطينيا.

لا نتحدث هنا عن مستقبل الصراع، وإنما عن راهنه، فالمستقبل لا يمكن إلا أن يكون لصالح أصحاب الأرض والحق. المشكلة الأساسية تكمن في أنه مقابل التسارع الشديد في فرض مخططات تصفية القضية الفلسطينية، تتباطأ السياسة الفلسطينية في التقدم نحو تحضير الذات، لخوض هذا الصراع بكفاءة أفضل. يعترف الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بأن رئيس السلطة الفعلي هو وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس وزرائها منسق الشئون المدنية، وكان في ذلك يترجم بلغة أكثر وضوحا ما دأب الرئيس عباس على تكرار قوله، من أن السلطة بلا سلطة والاحتلال بلا كلفة.

إذا كانت هذه هي حقيقة الأوضاع فإن الأداء الداخلي لا يسر صديقا ولا يكيد عدوا، بل لعله يسر العدو ويكيد الصديق. السؤال هو ماذا يفعل الفلسطينيون في مواجهة هذه الحقائق، وهذه الاعترافات الحقيقية؟ أين هي قرارات المجلس المركزي الفلسطيني؟ وما هو مصيرها بعد أن تحولت إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة التي أحالتها للدراسة من خلال الحكومة، وبعض اللجان؟ وإذا كانت بعض هذه القرارات تحتاج إلى دراسة وخطط لتنفيذها نظرا لما تنطوي عليها من تعقيدات وتداعيات خطيرة فإن بعضها لا يحتاج إلى أي تأخير، ومثال ذلك التنسيق الأمني. ثم ماذا عن المصالحة واستعادة الوحدة وترتيب البيت الداخلي، وتعزيز صمود المواطن على أرضه؟.. فهل هذه العملية تحتاج إلى دراسات ولجان وتأخير أم أن تحقيق الوحدة أمر لا يقدم ولا يؤخر في مسار خوض الصراع والمجابهة؟ هل يمكن تحقيق انجازات خارجية فيما الجبهة الداخلية ضعيفة وهشة، ومنقسمة على ذاتها، مما يؤدي إلى استنزاف القدرة على المقاومة والتصدي؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى