مقالات

العراق: «شخابيط» على هامش السقوط الأخلاقي

في 9 نيسان/ابريل 2003 كانت الصدمة أكبر من أن توصف، ليس بسبب سقوط بغداد، وإنما بسبب سقوطها بسرعة قياسية. عشرون يوما فقط كانت الفترة من بداية العدوان حتى ظهور دبابة أمريكية فوق جسر الجمهـورية معلنـةً عن انهـيار كل شـيء.
حتى الفرق العسكرية التي كانت تتموضع على بعد مئات الكيلومترات في الشمال والتي لم تشترك على نحو يذكر في المعارك انهارت وتركت أسلحتها غنيمة للأحزاب الكردية.

1 – زعيم قبيلة

مرت سنوات عديدة حتى تعلمت قراءة التاريخ فأدركت أن الصدمة التي أصابتني وأصابت كثيرين غيري لم يكن لها لزوم لأن بغداد عبر التاريخ أكثر عواصم الدنيا اعتياداً على السقوط السريع.
تاريخياً بغداد لم تصمد بوجه الغزاة وسرعان ما كانت تستسلم.
دخلها المغول والخروف الأسود والخروف الأبيض والجلائريون والصفويون والعثمانيون كما لو أنهم كانوا في نزهة.
وقد سبق لزعيم قبيلة كردي اسمه ذو الفقار أن استولى على بغداد وأخضعها لحكم قبيلته 6 أعوام قبل أن ينتزعها منه طهماسب الصفوي.
يُداري بعض العراقيين خجلهم فيقولون: «بغداد لم تسقط بل دخلها الساقطون». للأسف هذا الكلام غير موزون من الناحية الواقعية، فقد برهن الزمن أن الساقطين الذين جاءوا خلف الدبابة الأمريكية أقل عدداً من ساقطي الداخل الذين التحقوا ومازالوا يلتحقون أفواجاً بهم.
لا أعتقد أن ثمة ما يدعو للخجل، فالعراقيون رغم كل ما جرى ويجري، عندهم الكثير مما يفخرون به. بغداد حالة شاذة إذا ما قورنت بمدن أخرى كالفلوجة التي صمدت نحو ستة أشهر والموصل التي صمدت نحو عام كامل بوجه تحالف دولي ضمّ أكثر من ستين دولة.
بغداد غصباً عن كل مغولها وغوغائها والساقطين ستُفتح وتنهض. ولسوف تستعصي على كل الغزاة إذا ما ترسّخ صرحها الحضاري على ركيزتي الإسلام والعروبة.

2 – وحيدة خليل

اتصل بي صديق وأخبرني بأن منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في السويد أقامت حفلةً مساء يوم 16 نيسان/ابريل.
وما المناسبة؟
قال 7 نيسان!
اتصلت بصديق بعثي «أمون» عليه وسألته: «ليش تأخرتو هلكد»؟
قال: «مو تعرف هذي حفلة فرح ولازم نبتعد كم يوم عن 9 نيسان/إبريل!
والله وفيكم الخير ما قصرتو!!»
طبعاً من حق البعثيين أن يحتفلوا في السويد ويمارسوا حرياتهم السياسية والثقافية إلى جانب حرياتهم الشخصية، لسببين: أولاً لأن منظمة الحزب في السويد أصبحت أكبر منظمة للحزب في العالم! وذلك بسبب التدفق الهائل للبعثيين على دول اللجوء بعد السقوط.
ثانياً لأن الحريات التي مرّ ذكرها هي من الحقوق الطبيعية للبشر، إذا حُرم البشر منها لفترة طويلة، غالبا ما يتحولون إلى قرود نفاق!
لكن، نتمنى صادقين أن يتعاطى البعثيون مع أجواء الحرية هذه ويهضموها ويتفاعلوا معها حتى يغيروا ما بأنفسهم على النحو الذي يجعلهم ينبذون تلك المبادئ الخشبية التي شبّوا وشابوا عليها. لا سيما مبدأ الحزب الواحد والحزب القائد، ونفذ ثم ناقش!
ونتمنى أيضا أن يتخلّوا عن رواسب العنجهية التي اصطحبوها معهم إلى بلدان اللجوء… فقد أثبتت الدراسات أن الإنسان أجمل بلا عنجهية!
على ذكر «بلدان اللجوء» كثير من هؤلاء البعثيين كانوا قبل سقوط النظام يعتبرون كل من ترك العراق ولجأ إلى بلدان اللجوء، وخاصة السويد، عميلاً، خائناً، جاسوساً، متخاذلاً، وهلم جرا.
وكانت المطربة وحيدة خليل قبلهم بنصف قرن قد قالت: «سبحان الجمعنا بغير ميعاد!»

3- الشاعر المغدور

عدنان القيسي مصارع عاد من أمريكا إلى العراق في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. نصب واحتال على العراق شعباً وحكومة ورئيساً، واستولى على قلوبنا قبل أن يتبين أنه مصارع «فالصو»، يستجلب إلى العراق مصارعين نصابين مثله ويتفاهم معهم فيصرعهم لتطير عقول العراقيين إعجاباً وفخراً به.
قال الشاعر:
بينما كنت ماشياً في شارع الرشيد
فإذا بالجماهير التي صفقت بالأمسِ
لعبد الإله ونوري السعيد
تصفق اليوم لعدنان القيسي
بعد أيام قليلة عُثر على جثة الشاعر ملقاة على شاطئ دجلة جنوبي بغداد.
الأمن العراقي أدرك أن المقصود بالبيت الأخير ليس عدنان القيسي!

4 – دود الخل

– في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2002 خرج العراقيون عن بكرة أبيهم ليبايعوا الرئيس الراحل صدام حسين على الولاء المطلق له.
– في منتصف نيسان/ابريل 2003 زحف ملايين العراقيين نحو كربلاء. المناسبة المعلنة كانت ذكرى أربعينية الإمام الحسين بن علي، لكن في حقيقتها البائنة على وجوه الزاحفين كانت احتفالية بسقوط نظام صدام حسين الذي بايعوه قبل 6 شهور فقط!
– لم يبق إلا أسابيع قليلة تفصلنا عن الانتخابات. وسوف نرى زحوف الناخبين زرافات تتهافت على الصناديق كي يبايعوا من يسمونهم فاسدين ومجرمين وسراق و»ساقطين جاءوا من الخارج خلف الدبابة الأمريكية!».
ثم بعد حين سنسمع الضوضاء نفسها: «يا ريتني كصيت إصبعي وما وسّخته بالبنفسجي وانتخبتكم!»
هناك مثل يقول: دود الخل منّه وبيه!
مختصر قد يفيد وقد لا يفيد: السقوط الحقيقي سقوط الأخلاق!

كاتب عراقي

العراق: «شخابيط» على هامش السقوط الأخلاقي

لبيد الصميدعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى