أخبارفلسطينيات

شبح الهجرة يلازم أم سعيد

شبكة بلدنا – وئام أبو العطا

بعيون باكية يملؤها الأسى والحنين استذكرت أم سعيد مشهد هجرتها الثانية من مخيم اليرموك في سوريا لتستعيد بذلك ما عانت منه قبل سنوات لحظة مغادرتها لمنزلها في يافا.

” اعتبرنا مخيم اليرموك قطعة من فلسطين حيث كانت تجمعنا لهجة وعادات وتقاليد واحدة ” بهذه الكلمات عبرت أم سعيد عن حزنها الشديد بسبب تركها المخيم مرغمة, لتنجو بحياتها مع أولادها وأحفادها الصغار , هجرة ثانية فرضها القدر عليها بسبب طاحونة الحرب التي لا ترحم.

الحاجة هيام غزاوي ما زالت تذكر منزل عائلتها الحجري المعتق المجاور لشجرة ليمون ضخمة ولم يغب عن ذهنها أدق التفاصيل وأصغرها فذكرت لنا “حزورة” باللغة الانكليزية كانت قد تعلمتها في المدرسة وما زالت تحفظها حتى الآن , حدثتنا بشغف عن اصطحاب والديها لها إلى برج الساعة ذاك المكان المحبب إلى قلبها ,ووصفت لنا كم كانت حياتهم سعيدة بقدر بساطتها وكم أصبحت تعيسة بعد إجبارهم على الخروج من بيوتهم .

أضافت “تركنا كل شيء في يافا على أمل أن نعود بعد يومين لا أكثر , لم نأخذ سوى مفتاح البيت الذي كانت تعلقه جدتي في عنقها بخيط غليظ , ما زالت مشاهد الهجرة اللعينة تمر أمام عيني وكأنها تحدث للتو لم أنسَ يوماً كيف وقع الرضيع من حضن أمه في مياه البحر وهي تحاول الصعود إلى “البابور” لتنجو بحياتها وطفلها , أيام لا تمحَ من ذاكرتي أو من ذاكرة أي شخص عاش تلك اللحظات”.

بعدها استقرت أم سعيد في مخيم اليرموك وأصبح المخيم وطناً للاجئين, “عشنا فيه أجمل أيام وتعلقنا به تعلقاً شديداً كنا نشعر بالأمان والطمأنينة في أزقته البنايات المتلاصقة والشبابيك المتقابلة, إلى يوم 16/11/2012 الذي كان من أقسى الأيام التي عشتها وسأعيشها لتبدأ الهجرة الثانية بتفاصيل مؤلمة تعيد لذاكرتنا أيام هجرة 48 حيث اشتد القصف على المخيم, ولم تكن لدينا فكرة الخروج وتكرار ما فعله أهلنا قديماً إلّا أن القدر أراد لنا تكرار نفس السيناريو, فقررنا السفر إلى مصر على أمل العودة إلى المخيم بعد أن تهدأ الأوضاع, ولكن القدر أراد لنا العودة إلى فلسطين بعد فقدان الأمل فكان لنا نصيب الإقامة في غزة.

كانت ابنة أم سعيد التي تمكث في غزة برفقة زوجها وأولادها تنتظر أمها بفارغ الصبر بعد ان أقنعتها بالمجيء إلى مدينة غزة , كما نوهت الحاجة أم سعيد أنها قامت بزيارتها سابقاً بغية رؤيتها لابنتها وأحفادها ولكن شعورها هذه المرة يختلف عما سبق حيث شعرت أم سعيد بأنها أتت إلى قطاع بصفة لاجئة هاربة من الموت كما هربت قبل سبعين سنة .

” تركنا المخيم لحالو خربوه ” قالت أم سعيد تلك الكلمات بحرقة وكأنها تتحدث عن أبٍ عجوز تركه أولاده في لحظات ضعفه .

كم من الصعب أن تترك بيتاً بعد أن بنيته حجراً فوق حجر ويأخذ سنيناً من عمرك مصحوبة بذكريات كثيرة في ارجائه , وينهار كل شيء أمام ناظريك في ثوانٍ معدودة, لتقيم بعد ذلك في بيت صغير في غزة وتقضي الشهر تعد أيامه يوماً بعد يوم لتعطي صاحب المنزل الايجار في منزله . وها هي تجلس لساعات طويلة في منزل متواضع برفقة الذكريات التي تسكن في أصغر خلايا ذاكرتها فلم يعد هناك مخيم ولم يعد هناك الشباك الصغير الذي كان يطل على جارتها ام محمد ولم يعد هناك ما يسعد قلبها , فإن ذكريات يافا والمخيم تحاصرها في الوقت ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى